حسن الأمين

180

مستدركات أعيان الشيعة

وعدم الاعتراض . وأمر بمنع التجول بعد الثامنة مساء ، ووقف إصدار الصحف والمطبوعات إلى ما بعد تشكيل الوزارة ووضع قانون خاص بالمطبوعات ، وأمر بمنع التجمع في المنازل والطرقات لأكثر من ثلاثة أشخاص ، وأمر باغلاق متاجر المشروبات الكحولية والمسارح ودور السينما ومحلات التصوير الفوتوغرافي وأندية القمار ، وتعطيل جميع الدوائر الحكومية من العمل ، ومنها دائرة البرق والبريد والتلفون ، إلى أن تتشكل الوزارة الجديدة . وفيها إنذار بمحاكمة المخالفين في المحكمة العسكرية وإنزال أشد العقوبات بهم . وفيها إعلام بتعيين أحد الضباط حاكما عسكريا على المدينة . وكان السيد « ضياء الدين الطباطبائي » قد هيا قبل الانقلاب لائحة باسامي من يريد اعتقالهم من الأعيان والوجهاء والأثرياء وسلمها إلى « رضا خان » لانفاذها . فلما استتب الأمر للانقلابيين أمر « رضا خان » ضباط القوزاق باعتقالهم . فبدأوا حملة الاعتقال في صباح الرابع من إسفند سنة 1299 ه‍ . ش . بعد احتلال طهران ببضع ساعات . وفي اليوم السادس من إسفند بلغ عدد المعتقلين مائتين من كبار السياسيين والعسكريين ورجال الدين والنواب . منهم الأمير القاجاري « عبد الحسين ميرزا » المعروف بلقب « فرمان فرما » وابنه « نصرت الدولة » . وكان هذا وزيرا للخارجية في وزارة « وثوق الدولة » التي عقدت معاهدة سنة 1919 م ، المعاهدة التي كان السيد « ضياء الدين الطباطبائي » لا ينفك يؤيدها ويحبذها في جريدته « رعد » . ومنهم « تيمور طاش » ( 1 ) المعروف باسم « السردار المعظم الخراساني » وكان بين كبار العلماء رجال الدين الذين اعتقلوا السيد « حسن المدرس » . وأرادوا اعتقال الحاج الخوئي إمام الجمعة ففر وتحصن في مقام « عبد العظيم الحسني » ( رض ) . وطولب الأقرباء من المعتقلين بأموال . فمن أدى إليهم ما طلب منه أطلقوا سراحه ، ومن امتنع أبقوه في السجن ، وأغاروا على بيته فصادروا منها ما وقع في أيديهم من مال . وكان من الممتنعين الأمير « فرمان فرما » وابنه « نصرت الدولة » ، فظلا في السجن وأغير على منزليهما . وتجاوزت حملة الاعتقال لائحة السيد « ضياء الدين الطباطبائي » إلى كل من ظنوا به مخالفتهم وتوقعوا أن يعارضهم في المستقبل ، فاعتقلوا عشرات ، من مثقفين وأدباء وصحفيين وأصحاب نزعات ديمقراطية ومهتمين بالشؤون السياسية . فما انقضى شهر على وزارة الطباطبائي . حتى ضاقت سجون العاصمة عن استيعاب المساجين فجعلوا يرسلون الفائض منهم إلى سجون بلدان أخرى . وترك كثير من الأعيان من ذوي السمعة الطيبة بيوتهم فاختبئوا في أماكن خفية خوفا من أن يعتقلوا . وظلوا متوارين عن الأنظار في مدة تولي الطباطبائي رئاسة الوزارة كلها . وزارة الطباطبائي صدر المرسوم الشاهاني بتعيين السيد « ضياء الدين الطباطبائي » لرئاسة الوزارة يوم 4 إسفند سنة [ 1239 ] 1299 ه‍ . ش . الموافق 13 جمادى الثانية سنة 1339 ه‍ . ق . ( سمى بعضهم وزارته بالوزارة السوداء ) . وفي الثامن من شهر إسفند من تلك السنة ، نشر ، قبل أن ينتهي من اختيار أعضاء وزارته ، بيانا مطولا ألصقه على الجدران في كل ناحية من المدينة . وأمر بإبلاغه إلى المحافظات ليبلغه حكامها العسكريون إلى الأهالي . وكانت وسيلة الحكام إلى ذلك دعوة الأهالي إلى المساجد وقراءة البيان على المنبر . وكان بيانا ككل البيانات التي يصوغها حكام الشرق وحكام الأنظمة الدكتاتورية ، وعدا بكل خير وعهدا على سلوك أحسن الطرق وعزما على خلق إيران خلقا سويا جديدا لا عوج فيه . وفي البيان يعد بتوزيع أراضي الدولة على الفلاحين وإنصاف الفلاحين من أصحاب الأرض . وأراد الطباطبائي أن يظهر بمظهر البطل الوطني فاعلم الرأي العام في بيانه هذا بالغائه المعاهدة الإيرانية الإنكليزية التي عقدت في آب سنة 1919 م في عهد وزارة « وثوق الدولة » . وقال إن الظروف التي اقتضت عقدها قد تغيرت . ولكن أهل الاطلاع كانوا يعلمون أن هذه المعاهدة قد سقطت وألغيت في عهد وزارة « مشير الدولة » . بل كان الإنكليز أنفسهم قد صرفوا النظر عنها . فإلغاء الطباطبائي لها اليوم تحصيل الحاصل . أما يوم كان في نفوس الإنكليز والموالين لهم من الإيرانيين أمل في إمكان الموافقة عليها وإنفاذها فقد كان الطباطبائي أول المدافعين عنها المؤيدين لها . ثم إن الطباطبائي ورفاقه الانقلابيين عوضوا الإنكليز عنها بما أجروه من تعديلات في أجهزة الوزارات ، ولا سيما وزارة المالية والحربية . تعديلات كانت تطبيقا عمليا لمقتضيات معاهدة سنة 1919 م ، إذ أنها وضعت هاتين الوزارتين في تصرف الخبراء والمستشارين الإنكليز يوجهونهما كيفما شاؤوا . وهذا ما كانت تبتغيه إنكلترا من تلك المعاهدة . وكم الطباطبائي أفواه المعارضين لهذه السياسة بإلقائهم في السجون وتعطيل الصحف . حقا انه اعتقل أيضا بعض أتباع الإنكليز ممن كانوا يؤيدون المعاهدة مثل « فرمان فرما » وابنه الأمير « نصرت الدولة » . ولكن اعتقالهم لم يكن فيه ضير على السياسة الإنكليزية ، إذ كانت قد استغنت عنهم . هذا من جهة . ومن جهة أخرى كان يطمع في ابتزارهم بان يفتدوا أنفسهم بدفع أموالهم اليه . وأراد الطباطبائي أن يتملق « رضا خان » فالتمس من الشاه ، حين ذهب إلى قصر « فرحآباد » ليتسلم مرسوم تعيينه رئيسا للوزارة ، أن يسلمه أيضا مرسوم تعيين « رضا خان » قائدا للجيش ورئيسا لكتيبة القوزاق ، ليحمل المرسوم بنفسه إلى « رضا خان » . فأجابه الشاه إلى طلبه . وحمل المرسوم في نفس اليوم ( 4 إسفند سنة 1299 ه‍ . ش ) إلى ثكنة القوزاق . وصعد إلى منبر هناك وقرأ المرسوم ، ثم أمر بعزف النشيد الوطني حين تعليق حمائل رئاسة القوزاق على كتف « رضا خان » . ونشر « رضا خان » أيضا لهذه المناسبة بيانا ضمنه عبارات حماسية ووعودا جذابة . واشتهر أن السيد « ضياء الدين الطباطبائي » كتب له هذا البيان ، لأن مستوى « رضا خان » الثقافي لا يمكنه من صياغة ما تضمنه من عبارات أدبية مصقولة . وشكل السيد « ضياء الدين الطباطبائي » وزارته من تسعة وزراء . وفي صباح 11 إسفند سنة 1299 ه‍ . ش . ذهب بهم إلى قصر « فرحآباد » ليعرف الشاه بهم . وكانوا في غالبيتهم من الضعفاء المغمورين . وبعد ذلك ببضعة أيام اعترف بعض الدول الأجنبية رسميا بالحكومة

--> ( 1 ) اسمه « عبد الحسين » . من العسكريين . نائب سابق .